ظروف نشأة الجمعية الخيرية الإسلامية
ابتليت مصر بالاحتلال البريطاني عقب هزيمة
القائد الوطني احمد عرابي في معركة التل الكبير سنه 1882 وشان كل
استعمار يحرص على تحقيق مصالحه على حساب الوطن المستعمر ساءت أحوال
الشعب المصري وتركزت ثروة البلاد في يد الأجانب وقله من كبار ملاك
الأراضي الزراعية وأمست الأغلبية الكادحة من الشعب المصري لا تحصل على
قوت يومها إلا بالكاد , كما ألغى الاحتلال التعليم الحكومي المجاني
وقصر التعليم على الأقلية من القادرين على مصروفاته وبمناهج لا تستهدف
سوى تخريج موظفين للحكومة دون اهتمام بالتاريخ الوطني أو غرس القيم
والتربية الدينية
وكان رد الفعل الوطني إن نشأت في أن واحد حركتان
:
أحداهما : اجتماعي ظاهر تنشد الإصلاح الاجتماعي
من خلال مساعده الفقراء العاجزين والنهوض بالشعب ماديا وصحيا وتعليميا
وكان على رأس هذه الحركة شخصيات مصريه تاريخيه مثل الشيخ محمد عبده
وطلعت حرب وقاسم أمين .
وأخراهما : سياسيه متخفية تستهدف مقاومه
الاستعمار وتحقيق الاستقلال الوطني وكان على رأس هذه الحركة شخصيات
مصريه تاريخيه مثل مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول .
ولقد تجسدت حركه الإصلاح الاجتماعي في إنشاء
الجمعية الخيرية الإسلامية في أواخر أكتوبر 1892 أي بعد نحو 10 سنوات
من بداية الاحتلال البريطاني , ولقد حرصت الجمعية تحديدا لإغراضها
وإبرازا لشخصياتها على مسماها الخيرية والإسلامية وذلك لتقصر على رعاية
فقراء المسلمين إذ كانت هناك جمعيات خيريه تخدم مختلف الملل والجاليات
الأجنبية في مصر .
وهكذا نشأت الجمعية الخيرية الإسلامية رمزا
لحركه الإصلاح الاجتماعي في مصر وكان إقبال الأعيان والوجهاء عليها
يعكس إحساسا من جانبهم بضرورة التصدي للاحتلال البريطاني من خلال حل
المسألة الاجتماعية إذ لولا ضياع وتخلف الشعب مآتمكن المستعمر , هذا
فضلا عن شبه إجماع مؤسسي الجمعية بضرورة تفادى العمل السياسي في هذه
المرحلة حيث فرض تواجد الاحتلال البريطاني محاذير عديدة عليه مما جعل
هؤلاء ينصرفون إلى ميدان العمل الاجتماعي في هذه الآونة المبكرة بل نصت
صراحة أول لائحة تأسيسية للجمعية بحزر مناقشه المسائل السياسية أو
الجدل في الموضوعات الدينية , وجديد بالذكر إن الذي قدم مشروع لائحة
الجمعية هو سعد زغلول أفندي محددا الغرض من الجمعية بأنه رعاية فقراء
المسلمين من خلال النهوض بهم تعليميا وصحيا بسبب إهمال هذا الجانب في
ظل الاحتلال البريطاني, ونقرأ في محاضر الجلسات مجلس أداره الجمعية
الدور الفعال الذي أسهمت في قمم مصريه تاريخيه وذلك في نشاء الجمعية
بشقيه التعليمي والاجتماعي ونخص بالذكر هنا طلعت حرب أفندي الذي شغل
لمده طويلة عمل سكرتير عام الجمعية كما نذكر كلا من عبد الخالق ثروت
والبارون امبان وجبران تقلا وهدى شعراوي وقوت القلوب الدمرداش وقاسم
أمين والدكتور منصور فهمي والدكتور على إبراهيم والدكتور عبد الحميد
سعيد والمهندس عثمان محرم واحمد عبد الوهاب وغيرهما ممن جزيتهم الجمعية
إلى نشاطها الخيري فكان لهم فيها مساهمات فعاله بالرغم من اختلاف
توجهاتهم الشخصية , فدللت الجمعية بحق آن اقوي ما يجمع البشر على
اختلاف مذاهبهم هو فعل الخير وان أجمل ما في الحياة هو رؤية عين اليقين
ثمره جهودهم الخيرية ممثله في انجازات ومشروعات يقيمونها لرعاية وخدمة
المستضعفين والمغلوبين على أمرهم
والواقع أن دعوه الإصلاح الاجتماعي التي تبنتها
الجمعية عن إيمان راسخ برسالتها في مناخ الاحتلال والضياع السائد وقتئذ
وحملت رايتها ونفذتها بعزيمة وإخلاص إنما تمثل قصه كفاح ناصعة في
التاريخ المصري الحديث , وهى في ذات الوقت تعتبر أول عمل اجتماعي في
العالم العربي والإسلامي فى أواخر القرن التاسع عشر يستمد وجوده من
الالتزام الإسلامي بفعل الخير مع الرغبة العارمة فى التصدي لمؤامرات
الاستعمار خاصة حين ساءت أحوال الشعب المصري بإلغاء المستعمر لمجانية
تعليم الفقراء بالمدارس الأميرية وتقليص ميزانيه الإنفاق الاجتماعي
وفى تقديرنا ان حركه الإصلاح الاجتماعي في مصر
من خلال الجمعية الخيرية الإسلامية إنما تمثل نموذجا إسلاميا حيا
بضرورة تصدى الإفراد لمشكلات المجتمع ومسؤوليتهم عن حل تناقضاته
الطبقية بصره المظلومين والأخذ بيد المستضعفين ليس بإسراء الحقد
والصراع بين الأغنياء والفقراء كما دعت بعض المذاهب وليس باسم التكرم
والإحسان كما زعمت مذاهب أخرى وإنما من قبيل التعاون والالتزام بقوله
تعالى (( خذ من أموالهم صدقه تطهرهم وتذكيهم
بها )) , وقالي سبحانه (( فى أموالهم
حق معلوم للسائل والمحروم )) وقول رسوله الكريم (
ليس المؤمن - فردا أو دوله - الذي يشبع وجارة
جائع إلى جانبه وهو يعمل ) , وقولة عليه الصلاة والسلام (
تؤخذ من أغنياهم فترد إلى فقرائهم )
وصدق الله العظيم (( أرأيت الذي يكذب بالدين
)) فلم يقل الذي لا يصلى أو لا يصوم وإنما قال تعالى
(( فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام
المسكين ))